كوكتيل المنوعات


انتحار العرائس 

على مبعدة من دارنا الواقعة في منطقة "السبع قصور" كان هناك منزل كبير كئيب الشكل من الطراز القديم الذي تزخر واجهته بالكثير من الخشب المحفور بالزخارف . ولم يكن لهذا البيت حديقة او سياج كمعظم بيوت ذلك الزمان .
كانت نوافذ البيت مغلقة من الداخل بالخشب وتحيط بها من الخارج حمايات حديدية مشبكة ، اما باب البيت الخشبي الكبير فقد كان مغلقاً بـ "زينكو" سميك وله من الجهة الخارجية ثلاثة اقفال كبيرة الحجم.
كان يسكن البيت رجل يُعرف بإسم (الحجي) ، مع بناته الثلاث اللواتي كن قد تجاوزن العشرين من العمر حسب ما ذكرت الممرضة التي كانت تسكن المحلة ،وهي الوحيدة التي استطاعت ان تدخل ذلك البيت لمعايدة من تمرض من بنات الحجي . اما الحجي فقد كان رجلاً طويل القامة مجدر الوجه يلبس الصاية البغدادية وعلى رأسه كوفية تغطي معظم اجزاء وجهه العبوس ،وكان يحمل في يديه عصا طويلة يتوكأ عليها وكعصا موسى كان له فيها مآرب اخرى .
تقول شائعات ذلك الزمن ان الحجي نزح من احدى المحافظات الجنوبية الى بغداد بعد ان هربت زوجته مع رجل آخر ..ويقال بأنه تعقّد بشكل مخيف بعد تلك الحادثة ودفعته ردود الفعل العنيفة الى حبس بناته الثلاث في داره مغلقة الابواب والنوافذ وحرمهن من رؤية بقية مخلوقات الله ، فعشن كالسجينات لا يعرفن شيئاً عن المجتمع الذي يحطي بهن . ففي الشرق لا ذنب للمرأة احياناً إلا لكونها امرأة.
كنتُ وصبية المحلة تحت سن العاشرة من العمر نلعب اثناء النهار امام بيت الحجي حيث كانت المساحة بين الباب والشارع عريضة ومناسبة للعبة التي كنا نلعبها .كذلك كانت هناك شجرة سدر كبيرة لذيذة الافياء ، واذكر انه كانت تصل الى مسامعنا اصوات بنات الحجي من داخل البيت وهن يلعبن وينشدن ببراءة :
الله يصبحكم بالخير يلعمارة العمارة .. الله يمسيكم بالخير يلعمارة العمارة
ما تنطونه بنتكم يلعمارة العمارة .. ما ننطيكم هيه ..إلا بألف ميه
إلا بنص الألماس ..دوار الصينية
وعندما كنا نلمح الحجي عائداً بعد الظهر ..كنا نتقافز هاربين بوجل كالارانب الصغيرة تلاحقنا شتائمه ولعناته ..كان الحجي يخاف على بناته حتى من عصافير "التبكة" .. وكان خلق فينا عقدة الذنب بلا جرم .
ولم يبالغ نزار قباني عندما قال في احدى قصائده :
درسونا : ركبة المرأة عورة ..
ضحكة المرأة عورة ..
صوتها من خلف الباب عورة ..

كان الحجي يحاول ان يخفي ويغطي كل عورات النساء ،في بلد يائس متخلف نصف مجتمعه مكبوت ومحجور ومعتدى عليه ، بلد يؤمن اغلب رجاله بأن شرف الإنسان يكمن بين فخذي امرأة .متشدقين بمقولة بأن الام مدرسة اذا اعددتها اعددت شعباً طيب الاعراق ..والى آخر تلك الشفهيات الشرقية العقيمة التي لم يطبقها سوى نفر قليل . وامدرستاه ..اي بطيخ واي مخلوق هذا الذي تفننا في اعداده واخراجه ،وامعنا في اذلاله ومسخه ،ولا عجب ان كنا نزحف كالسلحفاة في تقدمنا قياساً الى بقية الشعوب ،فمن يمشي على قدم واحدة يسقط ويكبو ويحبو ويعلوه الغبار ..اما عورات الحجي وبقية الزلم فما تزال موضع فخر واعتزاز شرقنا النائم على عورته منذ قرون.
كانت (نشمية) واحدة من نساء محلتنا . وقفت ذات يوم مع جارتها تسلم على الحجي وهو يفتح اقفال بابه الثلاثة مستعداً لدخول الدار .قالت له ان بودها ان تخطب واحدة من بناته لأخيها(الجابي) في مصلحة نقل الركاب العامة.
(ويا ثوب من شكك) ، فقد ثار الحجي وارغد وازبد وراح يلطم خديه وطردهن شر طردة وهو يرفع عصاه في وجوههن ، ( امشن انعل ابوكن لا بو الزواج.. والله والله وتالله اذبحهن ذبح النعاج وما ازوجهن) ..دخل بيته وصفق الباب وراءه بقوة وجنون .
كانت (نشمية) امرأة سليطة اللسان وكلما التقت "الحجي" كانت تكيل له الصاع صاعين وتعيّره بتشفي على هرب امرأته مع رجل آخر : " ما قصرت بيك مرتك ..اي بالعظيم ..ولك ما جذبوا اللي قالوا الفرس من خيالها ، وشلون خيال عيني ..لا نفع ولا دفع ..لا سنك ولا رنك ..لا خلقة ولا اخلاق".
بعد سنوات انتقلنا الى بيت آخر في جانب الكوخ ، ومرت سنوات ، وذات يوم كنت مع اصدقائي في سينما النصر حيث تعرفت على واحد من زملاء طفولتي في منطقة "السبع قصور" .. تصافحنا وتعانقنا ورحنا نتذكر طفولتنا ومدرستنا واثناء الحديث سألته عن بيت الحجي ، فذكر لي وبأسف بالغ بأن البيت احترق ذات صيف ولم يكن الحجي متواجداً ، وأن بناته الثلاث كن ضحية ذلك الحريق ، حيث لم يستطعن الهروب عبر تلك النوافذ المحصنة بالحديد .وقال بأن سكان المحلة يعتقدون بأن الحريق كان متعمداً وان البنات تخلصن من حياتهن انتحاراً على تلك الطريقة ومع سبق الاصرار.وقال بأن الملف اغلق ونسبت القضية الى القضاء والقدر.
ودعت ذلك الصديق ، واثناء عرض الفيلم ، كان ظلام القاعة في دار السينما يمتد ليغطي كل العوالم الموحشة القبيحة حولي ، واقسم انني شممت رائحة الحريق والشواء البشري ومأساة ذلك المجتمع الذي يصر على خلق الفجيعة ..وتذكرت المقولة التي تقول بأن بعض نساء بلادي يخرجن من بيوتهن مرتين مرة الى بيوت الازواج ومرة الى قبورهن..وما ارحم كل ذلك قياساً الى مصير بنات الحجي ، فقد خرجن من بيتهن مرة واحدة ..الى قبورهن ..جثث مشوهة لم يبكها احد ، ولم يندبها احد ، ولم تحقق في اسبابها عدالة ، ولم يسجلها ضمير او قلم او دفتر تاريخ بلادي .

يقول نزار قباني في قصيدة اخرى :
ثقافتنا فقاقيع من الصابون والوحل
فما زالت بداخلنا رواسباً من (ابي جهل)
وما زلنا نعيش بمنطق المفتاح والقفل
نلف نساءنا بالقطن ..ندفنهن في الرمل
ونملكهن كالسجاد ..كالابقار في الحقل .

نتنافخ شرفاً حين نتذكر شهداء الثورة الفلانية والانتفاضة الفلانية والمظاهرة الفلانية والمعركة الفلانية .ولكن ..هل يتذكر احد شهيدات المجتمع المعوق من نساء بلادي؟!


   موضوع اخر     صفحة البيت