الجنس والصيام .. تعدد الزوجات والاشباع الجنسي !
 

 

 ومما يمكن الاستشهاد به في هذا السياق ماورد عند ابن القيم الجوزية الذي افتى في أحد اجتهاداته بما يلي »وأما مسألة من خاف تشقق أنتييه (أي خصيتيه) وأنه يباح له الوطء في رمضان فهذا ليس على إطلاقه بل إن أمكنه إخراج مائه بغير الوطء (لم يشر هنا إلى الاستمناء) لم يجز له الوطء بلا نزاع، وإن لم يمكنه ذلك إلا بالوطء المباح فإنه يجري مجرى الإفطار لعذر المرض ثم يقضي ذلك اليوم .. فإن قيل: فلو اتفق له ذلك ولم يكن عنده إلا أجنبية هل يباح له وطؤها لئلا تتلف أنثياه ؟ قيل : لا يباح له ذلك، ولكن له أن يخرج ماءه باستمنائة والله أعلم (١). فليلاحظ القارئ إلى أي حد بلغت التساهلات الفقهية في قضايا الرجال والجنسية منها على وجه الخصوص، فهذا ابن قيم الجوزية المشهور بتطرف اجتهاداته وفتاويه، يبيح للرجل إفطار رمضان لإشباع رغبته الجنسية تحت ذريعة الخوف من تلف الخصيتين، هذا في الوقت الذي يقر فيه هو نفسه في موضع آخر ما يلي »إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل في العبد اضطرارا إلى الجماع بحيث إن لم يفعله مات، بخلاف اضطراره إلى الأكل والشرب واللباس .. فإن هذا من قبيل الشهوة واللذة التي هي تتمة وفضلة، ولهذا يمكن للإنسان أن يعيش طول عمره بغير تزوج وغير تسر ولايمكنه أن يعيش بغيرطعام ولا شراب« (٢). فمن الواضح إذن أن عدم ممارسة الجنس بالنسبة للرجل، لايترتب عنها أية مضاعفات صحية على مستوى جهازه التناسلي قد تفضي إلى إتلاف خصيته وهذا باعتراف ابن القيم الجوزية نفسه، وعلى الرغم من كونه يعي هذه البديهية فإنه مع ذلك يعتمدها كمبرر لشرعنة ممارسة الرجل للجنس خلال رمضان وهو صائم ليقحمها ضمن الأعذار الموجبة للإفطار، هذا في الوقت الذي لم ترد فيه أية إشارة إلى المرأة موضوع الوطء ورغبتها في الجماع من عدمه، أو الافطار من عدمه، فهي ملزمة حسب شرع الفقهاء بتلبية نزوات الزوج الجنسية متى شاء وكيفما شاء وأينما شاء ولو على ظهر قتب، وإلا اعتبرت ناشزا تطبق عليها لائحة طويلة من الأحكام الخاصة بالمرأة الناشز والتي تصل إلى الضرب وإلى الحرمان من دخول الجنة !!! وبالرجوع إلى السنة النبوية، نقف على مجموعة من الأحداث التي رويت عن النبي، تؤكد وتنسجم مع الأحكام التي سبق استخراجها من النص القرآني، فإذا كان شرط العدل -كماسبقت الإشارة إلى ذلك- يعتبرشرطا رئيسيا و ضروريا في إباحة نظام تعدد الزوجات، وكان تحقيق هذا الشرط من المستحيلات، فإن ما يدعم صحة هذا الطرح دينيا، أن النبي نفسه -وهو قدوة المسلمين- لم يتمكن من تحقيق المساواة والعدل بين نسائه على المستوى العاطفي والجنسي، ولعل الحديث القائل : »اللهم هذا قدري فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك« لخير دليل على ذلك، فالنبي كان شديد الحرص على العدل بين زوجاته فيما يخص الجانب المادي، لكنه لم يكن يملك قدرة العدل بينهن في الأمور العاطفية والجنسية، وهذا ما تؤكده عائشة زوجة النبي، حيث قالت : »كانت سودة بنت زمغة (إحدى زوجات النبي) قد أسنت، وكان رسول الله لا يستكثر منها، وقد علمت مكاني من رسول الله وأنه يستكثر مني، فخافت أن يفارقها وضنت بمكانها عنده فقالت يارسول الله يومي الذي يصيبني لعائشة وأنت منه حل فقبله النبي (ص)«. فمن خلال هذا الحديث نستخلص ما يلي : - أن النبي لم يكن يستكثرمن زوجته سودة بنت زمغة في المقابل كان يستكثر من عائشة. - أن العدل بين الزوجات هو من الشروط التي يستحيل تحقيقها، وبناء عليه يكون نظام تعدد الزوجات منافيا للدين الإسلامي ومبدئه في العدل. إن نظام تعدد الزوجات كمبدأ هو مناف للعدل، تقول نوال السعداوي »أي عدل يمكن الحديث عنه في وقت يحظى فيه الرجل بأربع نساء في الوقت الذي لا يتجاوز نصيب المرأة فيه ربع رجل«، فالعدل هو أن يكون لكل زوجة زوجها الذي لاحق لغيرها فيه، والعدل هو أن نضمن للمرأة حقوقها من الزواج كاملة غير ناقصة بما فيها حق المتعة والاشباع الجنسيين، واللذين لا يمكن تحقيقهما في ظل نظام تعدد الزوجات، ولا غرابة إذا صدر عن فقهاء الإسلام -مادامت تشريعاتهم على مقاس المجتمع الذكوري- مايلغي حق المرأة في المتعة الجنسية يقول القنوجي في الروضة الندية : »وكذلك الفسخ بالعنة لم يرد به دليل صحيح والأصل البقاء على النكاح حتى يأتي ما يوجب الانتقال عنه« وكأن هذا الفقيه وهو الذي يشرع باسم الدين الإسلامي لم يسمع بحكاية النبي مع نسائه حين اعطاهن حرية البقاء في عصمته أو الانفصال عنه بعد أن حالت ظروف حياته أن يوفي حاجتهن الجنسية، وتسريحه للعامرية، حين رفضت الاستمرار في عصمته. لقد كان النبي يعتبر تلبية الحاجة الجنسية للنساء من ضمن الواجبات والحقوق الزوجية، لذلك خير نساءه بين البقاء في عصمته أوالتسريح. ومما يروى عن النبي كذلك، رفضه البات والمطلق والشديد اللهجة لفكرة زواج علي ابن أبي طالب على ابنته، فقد روي عن عبد الله بن أبي مليكة أن المسور بن مخرمة حدثه أنه سمع رسول الله (ص) على المنبر يقول : »إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من علي ابن أبي طالب، فلا آدن لهم، ثم لا آدن لهم، ثم لا آدن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما أذاها«. لقد كان سبب رفض النبي لزواج علي بن أبي طالب على إبنته، هو ما سيلحقها من أذى وبالتالي ما سيلحقه بإلحاق الأذى به من أذى، وهذا ما يفيد أن نظام تعدد الزوجات نظام ظالم يتسبب للنساء وذويهم في الأذى والألم والمعاناة، ولا يمكن بحال من الأحوال شرعنة نظام يتسبب في كل هذا دينيا، لأن الإسلام -كما هو شأن كل الأديان- جاء بهدف إسعاد البشرية وتوفير شروط أفضل لعيشها لا العكس. ٢- الحكمة من تعدد الزوجات أو بؤس الفكر الديني : وإذا ما نحن انتقلنا إلى آراء الفقهاء في إبراز الحكمة من نظام تعدد الزوجات، فسنلاحظ أنها متطابقة بين أنصاره جميعا بمن فيهم المحدثين، وقد ارتأينا -ولضرورة منهجية- أن نسوق رأي أحد الفقهاء المعاصرين في ابراز الحكمة من تعدد الزوجات، لأن الفقهاء القدامى معذورون على كل حال فيما يتعلق بارتكازهم في إبراز تلك الحكمة على مقاييس ومعايير كانت تعتبر صحيحة في عصرهم، قبل أن يثبت العلم فيما بعد عكس ذلك. يعدد السيد سابق في كتابة فقه السنة، في باب الحكمة من التعدد »مزايا« هذا النظام الاجتماعي فيقول : - للإسلام رسالة إنسانية عليا كلف المسلمون أن ينهضوا بها ويقوموا بتبليغها، وهم لا يستطيعون النهوض بهذه الرسالة إلا إذا كانت لهم دولة قوية .. ولايتم ذلك إلا بكثرة الأفراد وسبيل هذه الكثرة إنما هو الزواج المبكر من جهة والتعدد من جهة أخرى. - الدولة صاحبة الرسالة، كثيرا ما تتعرض لأخطار الجهاد فتفقد عددا كبيرا من الأفراد، ولابد من رعاية أرامل هؤلاء الذين استشهدوا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتزويجهن، كما أنه لا مندوحة عن تعويض من فقدوا، وإنما يكون ذلك بالإكثار من النسل، والتعدد من أسباب الكثرة. - استعداد الرجل للتناسل أكثر من المرأة .. فالمرأة لا تتهيأ لذلك مدة الحيض ومدة النفاس .. فإذا كانت الزوجة في هذه الحالة عاجزة عن أداء الوظيفة الزوجية، فماذا يصنع الرجل أثناء هذه الفترة ؟ - قد يوجد عند بعض الرجال رغبة جنسية جامحة إذ لربما لا تشبعه امرأة واحدة، لذلك أبيح له أن يشبع غريزته عن طريق حلال مشروع. وبعد أن عدد الفقيه الأسباب الموجبة للتعدد يضيف قائلا : »هذه بعض الأسباب الخاصة والعامة التي لاحظها الإسلام وهو يشرع لا لجيل من الناس ولا لزمن معين محدود وإنما يشرع للناس جميعا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها«(٣). إن فقهاء الإسلام أنصارنظام تعدد الزوجات، يقرنون قوة الدولة بمدى حجم سكانها، إذ كلما كبر هذا الحجم كلما كانت الدولة أقوى، وإذا كان هذا المقياس صحيحا إلى حد ما في الماضي البعيد، وكان الفقهاء بالتالي يبنون أحكامهم على مقياس »إنما العزة للكاثر«، فإن ما يثير الاستغراب حقا هو أن الخطاب الأصولي الإسلامي المعاصر، الذي هو امتداد طبيعي للفقه الإسلامي، لايزال يلوك نفس الخطاب، ويتبنى نفس المقاييس والاجتهادات، مادام يعتبرها صالحة لكل زمان ومكان، على الرغم من التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع البشري، والتي اتخذت إيقاعا سريعا خلال السنين الأخيرة، وعلى الرغم من الإنجازات العملاقة التي حققها العلم في كل المجالات دونما استثناء. إن السيد سابق -وهو فقيه معاصر- وأحد المرجعيات الفقهية الرئيسية للفكر الأصولي الإسلامي المعاصر، لازال يؤمن بمقولة »إنما العزة للكاثر«، على الرغم مما يحياه وما يشاهده وما يسمع به من كوارث اجتماعية ومجاعات ... عبر مجموعة دول العالم الثالث، حيث التكاثر غيرالمنظم، فهل من الدين والعزة أن نساهم في خلق جيوش من الجياع لا ينتظرها من مستقبل إلا الضياع والتشرد والبطالة والمخدرات والدعارة والجريمة والتطرف الديني ...؟؟ والأكيد أن فقيهنا المعاصر، لم يطلع على النظريات العلمية في مجال التنمية في علاقتها بحجم السكان، أو أنه لا يؤمن بالعلم من أساسه كما هو شأن الكثير من الفقهاء. لقد ظهرت أواخر القرن ١٩ نظرية اقتصادية في مجال حجم السكان في ارتباطه بالتنمية، وهي النظرية التي عرفت بنظرية الحد الأمثل للسكان من روادها : مارلوفينكل، وسيجوك، وادوين كانان وكنون فيكسل. فهذه النظرية تعتبر أن هناك ثلاثة أنواع من الدول فيما يخص نموها السكاني : - الدولة الأولى : دولة ذات خفة سكانية، تتحسن أوضاعها الاقتصادية إذا ما تزايد عدد سكانها. - الدولة الثانية : دولة مكتظة سكانيا، تتحسن الأوضاع الاقتصادية بها إذا ما قل عدد سكانها. - الدولة الثالثة : دولة ذات وضع سكاني عادي، تسوء حالتها الاقتصادية إذا ما زاد أو نقص عدد سكانها (٤) ومما لا شك فيه، أن الدول الإسلامية في معظمها، باستثناء بعض الدويلات النفطية بالخليج، تدخل ضمن نطاق الدول ذات الخصوبة المرتفعة والمكتظة سكانيا، إذ يتطلب الأمر نهج سياسات للحد من التكاثر غير المنظم ولتحديد النسل بما يوافق حجم سكانها الأمثل، فمشكلة العدد الكبير من السكان في هذه الدول، تعتبر من ضمن العوائق الكبرى للتنمية، أما الدعوة إلى تكثير سواد الأمة دونما النظر في تأثير ذلك على حاضرنا ومستقبلنا، واعتبار ذلك من صميم الدين، فإنها دعوة رجعية تساهم في المزيد من تأزم أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون من صميم الدين الذي جاء رحمة للعالمين. إن فقيهنا المعاصر، يتحدث بلسان غير لسان العصر، وبمنطق ليس بمنطقه، فهو حينما يتحدث عن مزايا تكثير سواد الأمة، يربطها بمهمة الجهاد، فالجهاد يتطلب الكثرة العددية التي هي مقياسه في القوة والتفوق العسكري، ونظام تعدد الزوجات يضمن هذه الكثرة لتحقيق التفوق من جهة، ولتعويض من استشهدوا من جهة أخرى. ومما يدعو إلى الاستغراب الشديد حقا هو أن صاحب هذا الكلام إنسان معاصر، فهل يمكن أن ينطبق هذا الكلام على عصرنا الحالي ؟ وهل من الممكن والمقبول اليوم أن نعلن »الجهاد« على دولة مجاورة لنا لمجرد أنها تدين بدين غيرديننا ؟ وقبل كل هذا : هل كثرة العدد اليوم لازالت مقياسا للتفوق العسكري في وقت تمكنت فيه بعض الدول (التي تدين بدين غير ديننا) من صنع طائرات حربية مدمرة تؤدي مهامها دونما الحاجة إلى طيارين، ومن صنع قنابل بإمكانها مسح دولة كاملة من الخريطة العالمية في رمشة عين ؟ هذا في الوقت الذي نجد من لازال يهلوس قائلا : »والضابط في ذلك ما جاء بنص عام يبين أن هذا الأمر من دين الله، وأنه من أعمال المسلمين وأنه لا يكون إيمان بغيره وإذا جاءت النصوص بهذه الصورة فحينئذ يلزمنا الاتباع، فمثلا عندما يقول الله سبحانه وتعالى : »وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل« فهو خطاب موجه إلى المسلمين في أول الزمان وفي آخر الزمان. والقوة كما جاء في الحديث هي الرمي والخيل هي الخيل. فإذا جاء من يقول إن الخيل لا تصلح الآن فنقول له نحن عندما نقاتل سيكون قتالنا بالسيف والخيل "ثم" »وقد جاء في الحديث الشريف الجنة تحت ظلال السيوف، فالجنة هي الجنة والسيف هو السيف، ولو شاء الرسول لقال الجنة تحت ظلال الأسلحة أو تحت ظلال البنادق«(٥). ومن »البديهيات« التي ارتكز عليها فقهاء الإسلام في صياغة اجتهاداتهم، والتي اعتمدها السيد سابق بدوره، اعتبار القوة الجنسية للرجل أكثر منها بالنسبة للمرأة »قد يوجد عند بعض الرجال رغبة جنسية جامحة إذ لربما لا تشبعه امرأة واحدة«. وعلى الرغم من كون هذا المبرر -إذا ما قبلنا به جدلا- لا يصح من الناحية الدينية نفسها لتبرير نظام تعدد الزوجات. إذ أن النبي منع تعدد الزوجات لمجرد المتعة الجنسية من خلال ما ورد في الحديث القائل : »لعن الله الذواقين والذواقات. قالوا : من هؤلاء يارسول الله ؟ قال هم الذين يتزوجون رغبة في لذة النكاح«. ثم إن الدين نفسه ومن خلال اجتهادات الفقهاء أنفسهم، قدم حلولا دينية أخرى للحد من عنفوان القوة الجنسية، كالصوم بالنسبة للشباب الذي لم يستطع الباءة، وإتيان الأهل إذا ما حركت امرأة ما الرغبة الجنسية للرجل »فإن الذي معها مثل الذي معها«. وأما من الناحية العلمية، فقد أثبت العلم أن للمرأة قوة جنسية جامحة قد تفوق قوة الرجل، تقول نوال السعداوي استنادا إلى أبحاث العالمين ماسترز وجونسون ما يلي : »إن النساء بطبيعتهن قادرات في حدوث الإثارة الجنسية الكاملة على الوصول إلى الاورجازم أكثر من مرة، بل مرات متعددة، قد تصل إلى ست مرات أو أكثر خلال العملية الجنسية الواحدة، ووجد أنها تصل أحيانا إلى ٥٠ مرة أو أكثر إذا استمرت الإثارة للمنطقة البظرية واستطاعت المرأة أن تتحكم في توترها الجنسي وتحتفظ بمدد أطول من الإثارة«(٦). واستنادا إلى مضمون هذه الحقيقة العلمية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل يحقق نظام تعدد الزوجات الإشباع الجنسي للمرأة والذي يعتبر أحد الدعائم الأساسية للزواج الناجح ؟ وإذا كان من اليسير الجواب على هذا السؤال بالنفي، فإن الفقه يتدخل مرة أخرى ليشرعن الحرمان الجنسي للمرأة، ومعاناتها في ظل مؤسسة الزواج المتعدد حيث لا تنال النساء فيه سوى القيود والالتزامات دون الحقوق والمزايا. فأحمد بن حنبل يحدد الحد الأدنى للوطء في أربعة أشهر، أما ابن حزم فحدده في مرة واحدة في كل طهر إن قدر على ذلك. والملاحظ بهذا الخصوص هو عدم وجود نص ديني يحدد المدة الأدنى لوطء الزوجة، إلا أن »عبقرية« الفقهاء قادتهم إلى استخراج أحكام توافق هواهم وهوى المجتمع الذكوري الذي هم جزء منه من نصوص دينية لم تكن قد وردت في ذات الموضوع، فابن حزم مثلا، في تحديده المدة الأدنى لوطء الزوجة مرة واحدة على الأقل في كل طهر، استند إلى الآية ٢٢٢ من سورة البقرة التي تقول : »ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين«. ومما هو واضح من خلال هذه الآية، أنها دعوة للرجال بعدم وطء النساء أثناء فترة الحيض لما في ذلك من أذى وأضرار صحية، ولم ترد بشأن تحديد الحد الأدنى لممارسة العملية الجنسية مع الزوجات كما ذهب إلى ذلك ابن حزم. وليلاحظ القارئ النزعة الذكورية في التشريع الفقهي الإسلامي في أسمى تجلياتها حين يؤكد السيد سابق أن »المرأة لا تتهيأ ... مدة الحيض ومدة النفاس ... فإذا كانت الزوجة في هذه الحالة عاجزة عن أداء الوظيفة الزوجية، فماذا يصنع الرجل أثناء هذه الفترة ؟«. فالرجل من منظور الفقه الإسلامي، غير قادر على الحرمان الجنسي خلال فترة الحيض التي لا تتجاوز في أقصى الحالات أسبوعا واحدا في الشهر، لذلك لا بأس أن يمنحه حق الزواج من ثانية وثالثة ورابعة حتى لا يبقى هذا الرجل شديد الفحولة، عرضة للحرمان الجنسي ولو ليوم واحد. هذا في الوقت الذي يرى فيه بعض الفقهاء أن سبب العنت ليس كافيا لفسخ عقد الزواج، وأن الرجل حين يطأ زوجته مرة واحدة فقط في أربعة أشهر يكون قد وفى حقوق المرأة الزوجية، وأدى واجباته الجنسية تجاه زوجته بما يرضي الله ورسوله. لقد وجه الفقهاء اجتهاداتهم في اتجاه إباحة نظام تعدد الزوجات وشرعنته دينيا، على الرغم من كون قراءة موضوعية واجتهادات محايدة تستحضر القاعدة الفقهية الشهيرة، والتي اعتمدت كأساس للتشريع الفقهي والمتمثلة في »جلب المصلحة ودفع المضرة« كانت ستكون كفيلة بعدم إباحته وشرعنته دينيا، وهناك من الفقهاء من نحى هذا النحو، إلا أن اجتهاداتهم قوبلت بالرفض والاستنكار من طرف مجتمع ذكوري وأناني، وظلت على الهامش ولم يؤخذ بها في التشريعات القانونية. إن الملاحظة العامة التي نسجلها بخصوص التشريع الفقهي الإسلامي، هو تركيز أحكامه على قضايا الرجال في اتجاه البحث عن حلول لمشاكلهم والجنسية منها على وجه التخصيص، وشرعنتها دينيا وإن اختلفت مع مضمون الدين نفسه الذي تشرع باسمه، ومع مبادئه في العدل والرحمة والمساواة ... وهكذا أبيح التسري مثلا، وهو في حقيقة أمره اغتصاب مقنع ومشرعن دينيا، على الرغم مما نتج عن هذا النظام الاجتماعي من مشاكل اجتماعية وقضايا إنسانية من قبيل الأبناء ثمرة تلك النزوات الجنسية، والذي اعتبرهم المجتمع الإسلامي أبناء غير شرعيين حتى وإن كان لا ذنب لهم ولا خيار لديهم في الوضعية الاجتماعية التي وجدوا عليها، وكذا وضعية المرأة القانونية والاجتماعية هل هي زوجة فعلية أم مومس بالإكراه ؟ وقبل ذلك هل هي إنسانة لها حقها في جسدها تهبه لمن ترضاه نفسها وعقلها؟ هذا دون الحديث عن عدم مطابقة هذا النظام لقيم التحضر والمدنية ومبادئ العدل والمساواة ... والتي أقرها الدين الإسلامي نفسه؟ نفس الملاحظات نسجلها بخصوص زواج المتعة أو الزواج المؤقت، فعلى الرغم من كون أحد النصوص الدينية النبوية المعترف بصحتها من طرف فقهاء السنة، قد حرّم هذا النظام بشكل قاطع وجازم وأبدي ... فإن فقهاء الإسلام تحايلوا على الدين ليشرعنوا زواج المتعة أو الزواج المؤقت من خلال اعتبارهم »أن من تزوج امرأة دون أن يشترط التوقيت وفي نيته أن يطلقها بعد زمن، أو بعد انقضاء حاجته في البلد الذي هو مقيم به فالزواج صحيح«.(٧) إن فقهاء الإسلام انطلقوا من ثوابت ومرتكزات أساسية في صياغة اجتهاداتهم، وهي الثوابت التي أفرزها منطق المجتمع الذكوري الذي هم جزء منه، فكان طبيعيا أن ينتجوا فكرا دينيا على مقاس هذا المجتمع. فالزواج اعتبر عملية بيع وشراء، وانطبقت عليه بالتالي أحكام هذا النظام، فالرجل يشتري المرأة حين يتزوجها كما هو مفهوم من مقولة القرطبي التالية : »... كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب، ومتى وجد أحد الزوجين أن بصاحبه عيب فله الرد، فإذا كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما أعطاها من الصداق«(٨). كما أن مؤسسة الزواج صُنفت من طرف الفقهاء ضمن نظام العبودية والرق، وهذا باعتراف »حجة الإسلام« أبو حامد الغزالي نفسه حين قال : »والاحتياط في حقها واجب، لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها والزوج قادر على الطلاق بكل حال« (٩)، وكذا قوله : »والقول الشافي فيه أن النكاح نوع من الرق، فهي رقيقة له بالنكاح فعليها طاعة الزوج مطلقا من كل ما طلب منها نفسها«(١٠). لقد كانت تلك الثوابت والمرتكزات من وراء ظهور فقه إسلامي متحيز وغير موضوعي وجائر، بلغت به الأمور حد شرعنة التدليس والغدر والكذب في حق المرأة، فهذا الشافعي وأبو حنيفة وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى عدم اعتبار شروط المرأة في العقد قبل الزواج، فحتى لو اشترطت شروطا في العقد مما يضمن مصالحها، فإن تلك الشروط ملغاة ولا يلزم الزوج بها، فإذا اشترطت صفة فبان بخلافها فلا خيار لها إلا شرط الحرية إذا بان عبدا فلها الخيار. إن الفقهاء أنصار التعدد، ذهبوا إلى اعتبار العدل المنصوص عليه في النصوص الدينية هو العدل في النفقة والكسوة والمبيت ... واستثنوا الأمور العاطفية والجنسية وأباحوا بالتالي للرجل ألا يعدل في هذا الجانب. يقول أبو بكر بن عربي : »... وكذلك الجماع فقط ينشط للواحدة ما لا ينشط للأخرى، فإذا لم يكن ذلك بقصد فلا حرج عليه فيه، فإنه مما لا يستطيعه، فلا يتعلق به تكليف«(١١). فهل من العدل أن نجهز على حقوق المرأة في الزواج، وحقها الأول في المتعة الجنسية والاستقرار العاطفي والنفسي لنلبي حاجة الرجل الجنسية بهذا الشكل الأناني وغير الحضاري ؟ ولم الاعتراف للرجل وحده بقوة الغريزة الجنسية وعنفوانها ؟ ألا تملك المرأة نفس القوة والعنفوان ؟ ثم إن القوة الجنسية والفحولة العربية الخارقة لحدود المعقول تلك ألا يمكنها أن تحقق إشباعها بامرأة واحدة ؟ وما رأي فقهاء الإسلام ومجتهديه في حديث النبي القائل : »إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فليؤت أهله فإن الذي معها مثل الذي معها« ؟ خاتمة : إن تقييما موضوعيا ومحايدا للاجتهادات الفقهية الخاصة بموضوع المرأة، يدفعنا إلى القول دون تردد إن الفقه الإسلامي كان ظالما وجائرا في أحكامه وتشريعاته وفتاويه المتعلقة بالمرأة، لقد كانت أحكامه متحيزة وبشكل كبير لقضايا الرجل على حساب المرأة، واستجابت دون قيد أو شرط للنزعة الذكورية للمجتمع العربي الإسلامي ضدا على القاعدة الفقهية المشهورة والمتمثلة في ضرورة الاستجابة لشرط »جلب المصلحة ودفع المضرة«. إلا أن أخطر ما في الموضوع، هو أن تلك الاجتهادات وتلك الأحكام والتشريعات والفتاوي اتخذت الصفة الدينية واكتست الشرعية الإسلامية، ولبست لباس القداسة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، حتى أصبحت لدى عامة الناس جزءا من الدين الإسلامي إن لم تكن هي الدين نفسه. فهل من المقبول أن ننسب إلى الدين الإسلامي أحكاما وتشريعات جائرة وظالمة ؟ وهل من جلب المصلحة ودفع المضرة أن نشرعن باسم الإسلام كل الأنظمة الاجتماعية التي هي في الأصل منتوج المجتمعات الذكورية قبل ظهور الإسلام ؟ إن الدعوة ستظل ملحة، بل وستزداد إلحاحية يوما بعد الآخر لتدشين مشروع كبير لتجديد فكرنا الديني بما يوافق العقل والمنطق، ذلك الفكر الجديد الذي نحن في أمس ما نكون حاجة إليه لتدشين انطلاقتنا نحو المستقبل ونحو ولوج التاريخ من جديد، ذلك التاريخ الذي لفظنا عندما لفظنا العقل وآلياته لنترك مصائرنا بيد فقهاء النقل ومجتهديه، ولعل تجربة الشعوب الغربية المسيحية ماثلة أمامنا بكل انتصاراتها وتقدمها وعقلانـيتها ... فـهل سيعيد التاريخ نفسه ؟

عالم الثقافة الجنسية

صفحة فوستا